0%

4

كان الضباب يزحف على المدينة كأنه يبحث عن شيء أضاعه منذ زمن بعيد، ولم يكن أحد في تلك الساعة المبكرة ينتبه إليه سوى حارس البوابة الذي اعتاد أن يرى ما لا يراه غيره.

قالت له إنها ستعود قبل الفجر. لم تعد. وحين سأل عنها لم يجد من يتذكر اسمها، كأن المدينة نفسها قررت أن تنساها دفعة واحدة.

في الطابق السفلي من المكتبة القديمة كان هناك رفّ لا يلمسه أحد. الكتب عليه مرتبة بعناية مفرطة، وكل واحد منها يحمل التاريخ نفسه، والاسم نفسه، والصفحة الأولى فارغة.

سار في الممر الطويل يعدّ خطواته. عند الخطوة الأربعين توقف، لأن الجدار الذي كان أمامه بالأمس لم يعد هناك، وفي مكانه باب مفتوح على غرفة يعرفها جيدًا رغم أنه لم يدخلها قط.

لم يكن الخوف هو ما أوقفه، بل الفضول. وهذا بالضبط ما حذّرته منه جدته قبل سنوات: أن الفضول في هذه المدينة يُدفع ثمنه مرتين، مرة حين تسأل ومرة حين تعرف الجواب.

أضاء عود الثقاب فرأى على الحائط كتابة بخط يده هو، بتاريخ الغد. قرأها مرتين ثم أطفأ العود، وقرر أن يخرج قبل أن يقرأها مرة ثالثة.

في الخارج كان الضباب قد انقشع تمامًا، والشمس في كبد السماء، والناس يمرّون كأن شيئًا لم يكن. نظر إلى ساعته: كانت تشير إلى الرابعة والنصف فجرًا.

تعليقات هذا الفصل 0

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يكتب رأيه في هذا العمل.

الرئيسية العمل التعليقات